عبد الوهاب الشعراني
97
تنبيه المغترين
القناعة بالموجود ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : القناعة بالموجود وعدم طلبهم الزيادة في الدنيا من مطعم أو مشرب أو ملبس أو مركب أو منكح أو مسكن أو غير ذلك ، وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول خرج الغنى والعز يجولان يطلبان من يقيمان عنده فلقيا القانع فاستقرا عنده ، وكان محمد بن واسع رحمه اللّه تعالى يأكل الخبز بالملح أو الخل ويقول من رضى من الدنيا بمثل هذا لم يذل نفسه للناس . وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : من لم يقنع بخبز الشعير في هذا الزمان ابتلى بالذل والهوان ، وقد استأذنه مرة شخص في جمع المال فقال له : من جمع المال ابتلى بخمس خصال طول الأمل وشدة الحرص وكثرة الشح ونسيان الآخرة وقلة الورع . وقد كان حامد اللفاف رحمه اللّه تعالى يقول : من طلب الغنى بالقناعة فقد أصاب الطريق ومن طلبه بالمال فقد أخطأ الطريق ، وقد أدركت بحمد اللّه تعالى من أصحاب هذا المقام خلقا كثيرا منهم شيخنا شيخ الإسلام زكريا وشيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري والشيخ عبد الحليم بن مصلح والشيخ على النبتيتي والشيخ علي البحيري ، والشيخ محمد بن عنان والشيخ محمد المنير والشيخ محمد العدل وغيرهم رضي اللّه عنهم ورأيتهم يفتون الخبز اليابس في الماء ويكتفون به ، وكان الشيخ تاج الدين الذاكر رحمه اللّه تعالى يقول : ليس القناعة بأن يأكل الشخص كل ما وجد من غير كلفة وإنما القناعة أن يكون عنده المال الكثير والطعام ومع ذلك لا يأكل إلا كل خمسة أيام أكلة صغيرة أو ثلاثة أيام ، وقد كان سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى إذا أكل لا يجاوز تسع لقم ويقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : [ حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ] واللقيمات من الثلاث إلى التسع ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم حق وصدق ، فمن آمن به صلى اللّه عليه وسلم الإيمان الكامل كفته التسع لقم ولا يحتاج إلى زيادة عليها ، وقد سمعته رحمه اللّه مرة يقول من لم يكتف بالتسع اللقم في اليوم والليلة فهو لم يؤمن الإيمان الكامل لقوله صلى اللّه عليه وسلم حسب ابن آدم إلخ . ( قلت ) وينبغي حمل ذلك على غير أصحاب الأعمال الشاقة أما أصحابها كالحراث والحصاد والتراس والنوتي والفاعل ونحوهم فلا يكفيه مثل ذلك إلا إن كانت تصير قوته ملكية وغلبت روحانيته على جثمانيته ، كما قلع جبريل عليه الصلاة والسلام مدائن قوم لوط عليه الصلاة والسلام ورفعها إلى نحو السماء حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب كما ورد مع أن جبريل عليه الصلاة والسلام لا يأكل ولا يشرب ، فافهم والحمد للّه رب العالمين .